مع انحدار المساء على جنان السبيل في فاس، بدا المكان وكأنه يتهيأ لعرض لا يكتفي بالأداء الموسيقي، بل يقدّم تصورا كاملا للموسيقى بوصفها مساحة مشتركة تتجاوز اختلاف اللغات والخلفيات. هناك، اجتمع ثلاثة موسيقيين من ثلاث بيئات ثقافية متباينة حول مشروع يحمل اسم L’Antidote، في صيغة تقوم على الحوار أكثر مما تقوم على الاستعراض، وعلى الإصغاء أكثر مما تقوم على إبراز الفردي.
يضم هذا الثلاثي عازف التشيلو الألباني ريدي حاسا، وعازف البيانو اللبناني رامي خليفة، وعازف الإيقاع الإيراني بيجان شيميراني. وتكشف الخلفيات التي يحملها كل واحد منهم عن مسارات فنية لا تتطابق، لكنها تلتقي عند نقطة مركزية هي البحث عن صيغة موسيقية لا تخضع لحدود الأنواع ولا لثبات القوالب. في هذا المعنى، لا يبدو المشروع مجرد تعاون عابر، بل تركيبًا فنيًا يتغذى من تراكب الخبرات ومن الرغبة في تحويل الاختلاف إلى مادة للإنصات المتبادل.
تظهر فكرة الألبوم، كما يشرحها الفنانون في حديثهم لـSNRTnews، باعتبارها أكثر من تسمية رمزية. فالموسيقى هنا تُقدَّم باعتبارها ترياقًا معنويًا في مواجهة توتر العالم، لا من خلال وعد مباشر بالتغيير، بل عبر توفير لحظة من السكينة والانفصال النسبي عن الضجيج. هذا التصور يمنح العمل بعدًا تأمليًا، ويجعله أقرب إلى تجربة جماعية تبحث عن توازن دقيق بين الحرية والانضباط، وبين الارتجال والبناء المحكم.
ويحضر البعد العائلي في السيرة الفنية لاثنين من أعضاء الثلاثي حضورًا واضحًا. فـرامي خليفة، ابن الموسيقار اللبناني مارسيل خليفة، يتعامل مع الإرث بوصفه فضاءً مفتوحًا لا عبئًا موروثًا، وهو ما ينعكس في انتقاله بين الكلاسيك والتجريب والتأثيرات الإلكترونية. أما بيجان شيميراني، ابن الموسيقي الإيراني جمشيد شيميراني، فيواصل تقليدًا إيقاعيًا فارسيًا عريقًا، مع توسيعه نحو تجارب مشتركة مع أسماء من مشارب موسيقية متعددة. بهذه الطريقة، لا تُفهم الجذور هنا باعتبارها عائقًا أمام التجدد، بل نقطة انطلاق لإنتاج لغة أكثر اتساعًا.
أما ريدي حاسا، القادم من تقاليد البلقان والمتوسط، فيضيف إلى التشكيلة بعدًا آخر يرتبط بمرونة التشيلو وقدرته على الانتقال بين طبقات تعبيرية متعددة. وقد ساهم، وفق المادة المنقولة، في الموسيقى التصويرية للفيلم الوثائقي المرشح للأوسكار «أنا سيلين ديون»، ما يضعه ضمن مسار يربط بين الأداء الحي والعمل السمعي البصري. وهكذا تتجاور في المشروع مسارات فردية لها امتداداتها الخاصة، ثم تعود لتلتقي داخل بنية جماعية تتقدم فيها الفكرة على الاستعراض.
وتكتسب فاس، في هذا السياق، قيمة إضافية لا ترتبط بالمكان فحسب، بل بما يحمّله من ذاكرة روحية وتاريخية تجعل الأداء الفني جزءًا من المشهد نفسه. فالموسيقيون يتحدثون عن أثر خاص تتركه المدينة في تلقيهم وفي إيقاع العزف، كما يصفون الجمهور المغربي بوصفه طرفًا فاعلًا في تكوين التجربة، عبر الإصغاء والتفاعل وما ينتج عنهما من طاقة مشتركة. ومن ثم تبدو الحفلة أقل قربًا من مفهوم العرض المنفصل، وأكثر اتصالًا بفكرة اللقاء الذي تتداخل فيه الأصوات مع المكان.






