يقدّم الألبوم الأخير «بارادايس ميتال» (Paradise Metal) للكاهن الأرثوذكسي اليوناني، الأب ديونيسيوس تاباكيس، إحدى أكثر التجارب الموسيقية غزارة ومفاجأة في المشهد التجريبي المعاصر؛ إذ يدمج ببراعة بين إرث الترتيل البيزنطي والموسيقى الإلكترونية وموجات "الدوم/درون" (Doom/Drone) القاتمة. وفي قراءة نشرتها صحيفة ذا غارديان، يسلط الضوء على هذا العمل بوصفه أحد أبرز الإصدارات التي استقطبت اهتمام النقاد والجمهور المتخصص هذا العام، متجاوزاً البعد الموسيقي البحت ليمسّ أسئلة أعمق حول تداخل الطقس الديني والثقافة البديلة.
من منبر الوعظ إلى منصات الموسيقى البديلة
تنطلق الحكاية من مفارقة بصرية لافتة: كاهن أرثوذكسي في الثالثة والخمسين من عمره، بلحية بيضاء كلاسيكية وجلباب كهنوتي أسود، يقضي يومه منذ نحو ثلاثين عاماً في خدمة كنيسة بمدينة "نافبليو" الساحلية جنوبي اليونان، لكنه في الوقت نفسه بات اسماً يتردد بتقدير في أروقة الموسيقى التجريبية العالمية.
هذه الفجوة بين عالمي العبادة والإنتاج الموسيقي المستقل شكّلت نواة السرد الإعلامي حوله. فقد حظي الألبوم بهالة من التميز والندرة فور صدوره في نسخة محدودة لم تتجاوز 150 شريط كاسيت عبر شركتي Heat Crimes وElhellhel، قبل أن يتضاعف الطلب العالمي عليه ويدفع نحو إعادة طباعته على أسطوانات فينيل (Vinyl).
نسيج صوتي متفرد: ليس ميتال بالمعنى التقليدي
على الصعيد الموسيقي، لا ينتمي «بارادايس ميتال» إلى قوالب موسيقى الميتال الصاخبة بمفهومها الشائع، بل يتحرك على تخومها؛ فالألبوم يتكون من مقطوعة ممتدة لقرابة 32 دقيقة، مشبعة بصدى صوتي كثيف يعيد تشكيل الأنغام البيزنطية داخل فضاء من موسيقى "الدرون والميتال البطيد"، مدعوماً بطبقات من الغيتار الكهربائي الخالي من الدساتين (Fretless)، والمؤثرات الإلكترونية، وأصوات الطبيعة، والآلات الشرقية. ويبدو أن اختيار كلمة "ميتال" في العنوان يحمل نوعاً من المفارقة الفنية أكثر من كونه التزاماً حرفياً بالنوع الموسيقي.
وتظهر في العمل الخلفية الموسيقية العميقة للأب تاباكيس، فهو متمكن من النظريات الموسيقية الشرقية والبيزنطية، ويجيد العزف على آلات كالعود والقانون والناي والربابة، إلى جانب "الغيتار التركي بدون دساتين" (Perdesiz) الذي يمثل عصب هذا التسجيل. هذا التنوع يمنح الألبوم هوية شرق متوسطية واضحة، ويجعله يعيد رسم الحدود الفاصلة بين ما هو "روحي" وما هو "تجريبي".
محطة نقدية: حظي الألبوم بتقييمات متقدمة في مواقع نقدية رصينة؛ حيث منحه موقع Pitchfork الشهير تقييماً بلغ 7.6/10، ما ساهم في اتساع رقعة الاهتمام به وتحويله من إصدار محلي محدود إلى ظاهرة موسيقية.
من عزف منزلي صامت إلى مسارح فيلادلفيا ولندن
وراء هذا الصخب الإعلامي تفاصيل إنسانية بسيطة؛ فالأب تاباكيس أب لثلاثة أطفال، لم يسافر في حياته خارج اليونان سوى لزيارة تركيا (موطن أجداده)، وكان يعزف في غرفته دون جمهور تقريباً. وفي لفتة طريفة، يذكر أن زوجته كانت المستمع الوحيد لعزفه الحي، وكثيراً ما كانت تطفئ الأجهزة عندما يطول "الضجيج".
بدأت رحلة الخروج إلى العلن عبر قناة شخصية على يوتيوب أنشأها عام 2012، حتى عثر أحد مسؤولي المواهب في شركة Elhellhel على أعماله مصادفة خلال بحث عميق في المنصة، واقترح عليه تحويلها إلى ألبوم رسمي. اليوم، يجد الكاهن نفسه مدعواً للمشاركة في مهرجانات عالمية مثل مهرجان Making Time في فيلادلفيا وإحياء حفلات في لندن، فيما وُصف بأنه سيكون العرض الحي الثاني فقط في مسيرته الفنية كاملة.
أبعاد ثقافية وإعلامية
يتجاوز ألبوم الأب تاباكيس فكرة "الظاهرة العابرة" ليتيح لعلماء الاجتماع الثقافي والإعلام دراسة حالة حية حول كيفية تحول منتج فني محلي شديد الخصوصية لاهوتياً ولغوياً إلى عمل ذي جاذبية عالمية (Cult Release) في الأوساط النخبوية، مستفيداً من منصات التوزيع المستقلة مثل Bandcamp.
ويندرج هذا الاهتمام المتزايد من صحف كبرى مثل نيويورك تايمز وذا غارديان وستيريوقوم ضمن سياق يسلط الضوء على اقتصاد الموسيقى البديلة (الكاسيت والفينيل)، والدور الذي تلعبه دور النشر الصغيرة في تقديم أصوات أصيلة من خارج مراكز صناعة الموسيقى التقليدية، لتثبت أن الفن الحقيقي قادر على التسلل من أروقة الكنائس الهادئة إلى صخب المسارح العالمية.




