تُقرأ سيرة الراهبة والموسيقية الإثيوبية أمهاوي تسغي مريم جيبرُو بوصفها مسارًا فريدًا داخل تاريخ الموسيقى الإفريقية الحديثة، لا بسبب ندرة المعلومات عنها فقط، بل لأن ما بقي من أعمالها يكفي لرسم ملامح صوت شخصي شديد الخصوصية. وقد تناولتها إذاعة فرانس موسيك بوصفها مؤلفة ومفسرة جمعت بين التكوين الكنسي والكتابة البيانية على البيانو، فيما أعادت RFI التذكير بمسارها الاستثنائي بعد رحيلها في مارس 2023.
وُلدت جيبرُو في أديس أبابا عام 1923، وأرسلتها عائلتها إلى سويسرا لتلقي تعليم موسيقي مبكر، قبل أن تعود إلى إثيوبيا وتعيش مرحلة اضطراب قاسية مع الاحتلال الإيطالي وما تلاه من ترحيل عائلي إلى جزيرة في شمال سردينيا. بعد الحرب، استأنفت دراستها وعملت في التعليم الموسيقي، ثم دخلت سلك الرهبنة عام 1948، لتكرّس بقية حياتها للتدريس والعزف والأعمال الخيرية. هذا المسار الشخصي يفسر جزئيًا لماذا تبدو مؤلفاتها أقرب إلى تأملات مكتوبة بالصوت منها إلى مقطوعات مدرسية بالمعنى التقليدي.
تتجلى فرادة أعمالها في طريقة بناء الجملة الموسيقية. فهي تعتمد إيقاعات حرة، وتتحرك داخل حيز لحني محدود لكنه غني بالتحولات، مع حضور واضح للسلم الخماسي الذي يطبع الموسيقى الإثيوبية التقليدية. هذا العنصر يمنح مقطوعاتها توترًا هادئًا، ويجعلها قابلة لأن تُسمع بوصفها أناشيد بلا كلمات. وفي بعض القطع، مثل "The Homeless Wanderer" التي أشار إليها البودكاست الفرنسي، تتقدّم الفكرة اللحنية كما لو أنها حكاية قصيرة عن عزلة وحماية وروحانية، من غير حاجة إلى زخرفة زائدة.
الاهتمام الدولي بأعمالها ازداد بعد إدراج بعض مؤلفاتها في أفلام ومسارات موسيقية معاصرة، وهو ما وسّع جمهورها خارج دوائر الموسيقى الكلاسيكية والإثيوبية. وعلى يوتيوب تتوافر تسجيلات رسمية أو شبه رسمية لقطعها، من بينها "Mother's Love"، وهي من أكثر أعمالها تداولًا بين العازفين والباحثين في الموسيقى العابرة للأنماط. كما أن حضورها في التسجيلات الحديثة يؤكد أن موسيقاها لم تعد تُقرأ فقط كتراث ديني أو محلي، بل ككتابة فنية قابلة لإعادة الاكتشاف المستمر.
تبدو قيمة جيبرُو اليوم في أنها قدّمت نموذجًا نادرًا لمؤلفة لم تفصل بين الحياة الروحية والعمل الفني. لم يكن البيانو عندها أداة عرض، بل وسيلة ترتيب للعالم الداخلي، وصياغة لعلاقة طويلة مع الذاكرة والإيمان والمنفى. لذلك احتفظت أعمالها، رغم قلّتها النسبية، بقدرة واضحة على عبور الزمن من دون أن تفقد هدوءها أو فرادتها.


